رغم أن آخر عهدي بالجامعة كان قبل سنوات الا أن " فاتن " لازالت تسكن في مخيلتي , ولا تفارقني , لا أدري لماذا حتى الان هي باقية !! , ولكنها أصبحت جزءا لا أستطيع أن أخلعه مني بسهولة مهما حاولت , ولكي لا اطيل عليكم دعوني أعرفكم بها فربما تسكنكم كما سكنتني أو على الاقل تصيبكم بحمى فضولية تدفعكم للبحث عنها كما بحثت أنا !!
عندما كنت طالبة في جامعة البحرين _ قبل عامين أو أقل بقليل _ كثيرا ما اجتهدت في ملء أوقات فراغي الكثيرة بحضور بعض الفعاليات والمحاضرات هنا أو هناك بغية الاستفادة أحيانا وقتل الملل أحيان أكثر .
وفي إحدى المرات القليلة التي كنت أقوم فيها بحركتي المعتادة برفس باب مبنى كلية الاداب تعبيرا عن احتجاجي الغير واعي على من صنع هذه الابواب المعيقة التي تتطلب لفتحها طاقة أكبر من طاقة شمشون الجبار وتطبيقا لنظرية " ارفس واهرب" التي كانت معتمدة لدى جميع الصديقات , خطفت نظرة سريعة على الاعلانات الملصقة بفوضوية على ذلك الباب وكان من بينها اعلان لفعالية تحت مسمى " أسبوع الأفلام البحرينية " ومن بين تلك الأفلام فيلم بعنوان " يونس والآخرون " .
أعجبني اسم هذا الفلم لا أدري لماذا ! وشجعت صديقاتي للذهاب ان لم يكن من باب المشاهدة فمن باب _ التمسخر_ وأغرتهن الفكرة وتوجهنا جميعا الى صالة العرض .
اختارت كل واحدة منا كرسيا قريبا للاخرى وصمت الجميع وبدأ الفلم يدور ..
حريق مهول يشب في منزل باحدى القرى , يودي بحياة أب وأم تاركا خلفه طفلا صغيرا محترق الوجه يختبر الويلات على يد زوجة عمه الرجل الطيب المغلوب على أمره .
يكبر يونس بنصف وجه وعذابات يفضيها بصمت الى جدران غرفته المسكونة بالوحشة والمرارة , ويحصل على عمل كطباخ في احد المطاعم يخفي وجهه ب" غترة " خوفا من هرب الزبائن او سخريتهم على شبحه بعد اصرار من زوجة عمه طمعا في راتبه الضئيل .
يخرج يونس الى عمله يوميا ملتحفا بغترته مارا بأزقة المنامة ومحلاتها الزاخرة ببضائع من كل صنف ولون , يختلس التفاتات من واجهة المحلات فيقع نظره عليها.. يأسره جمالها, يكلمها فلا تجيب , يسالها من انتي ؟! وهي غارقة في صمت خجول, يسالها ما اسمك ؟! لا رد .. ويمضي يونس الى عمله على أمل ان يعود في المساء ويراها كما هي جميلة خجولة صامتة ...
صار يونس مهووسا بتلك الجميلة التي تسكن خلف تلك الواجهة الزجاجية لأحد محلات المنامة .. يستيقظ الصبح على وعد اللقاء ويستعجل الوصول لذاك المحل ليخطف نظرة لتلك الاميرة الخجولة ويكرر السؤال من أنتي ؟! وعيون من داخل المحل ترقبه وتحمد الله على نعمة العقل ..
كعادته سابق عقارب الساعة ليصل مسكنها ويسالها من انتي ؟! وصل .. ولم يرها .. وقف مشدوها لا يدري أين يمكن أن تكون .. هل رحلت ؟! لم يعد يستطيع الاحتمال
أراد أن يصرخ ... عودي .. عودي أيتها الاميرة الخجولة .. لا أزال لا أعرف من أنتي ؟!وما اسمك ؟!
حاول ان يركز النظر للمحل من الداخل فرآها .. هناك .. تفترش الارض .. انها هي .. أميرته مركونة في أحدى الزوايا
دخل المحل تملأه اللهفة وسأل صاحب المحل ماذا تفعل هذه هنا؟ أجاب: لم تعد صالحة للاستعمال ؟!
- سأشتريها وسأشتري معها هذا الثوب الأبيض الجميل ..
نظر الرجل بحيرة في أمر يونس : عاقل هو أم مجنون .. لا يهم .. يشتريها افضل من ان تبقى مركونة كطفيلي في المحل ..
اخذها يونس .. امتلكها .. هي له الان .. خطوات ماراثونية ذهبت به معها الى غرفته.. تركها هناك بعد أن البسها فستانها الجديد ..
سالها مرة أخرى : ما اسمك ؟! ظلت الاميرة صامتة
قرر أن يعطيها اسما فأميرة مثلها لا يمكن أن تظل بلا اسم ..
"فاتن" كانت هي
التي ملأت حياة يونس بالانغام
صار يعود الغرفة مشتاقا ليراها يكلمها .. يحاورها .. يفضي لها بهمومه
صار يبتسم بعد أن دفن ابتسامته في نفس اليوم الذي دفن فيه امه وابيه
خلع الغترة التي احتضنت وحشه سنين
وصار نادلا في المطعم
لا يخشى أن يراه الاخرون الذين لم يكونوا يعبأون بشكله في السابق
ولازالوا لا يعبأون ..
صار يونسا جديدا
لم يعد شبحا ..
لم يعد ظلا يتمنى ألا يراه الاخرون
لم يعد يتمنى الموت واللامرئية ..
بدلته " فاتن" ..
كانت حبيبة .. وصديقة ..وملاذا
كسرت ختم الأحزان الذي طوقه في سنوات الحرمان
ولم يعد يرى نصف وجه
صار يرى يونس ..
يونس فقط ..
من غير عيون أخرى تحاصره ..
من غير غترة تخبئه عن أولئك الذئاب الساخرين ..
من غير آخرون ..
لم تدم سعادة يونس طويلا , فزوجة عمه بدأت تشك في سر التغيير المفاجئ والسعادة المفرطة التي يعيشها ذاك الشاب المعذب وتلك الفساتين الجميلة التي يشتريها ويجلبها المنزل , فاقتحمت غرفته ووجدتها وحطمتها .. ومزقت فساتينها الملونة .. وتركتها ركاما عند مزبلة بناصية الشارع ..
عاد يونس فلم يرها .. ضاعت " فاتن " منه للمرة الثانية
صار يبحث
اين انتي ؟! أين اختبأت ؟!!
بحث ولم يجدها ..
خرج الى الشارع يعتصره الألم .. رآها ..
هذه المرة كانت مختلفة .. كانت محطمة .. ممزقة .. ميتة .. لا تتكلم .. لا تنعش خديها حمرة خجل..
وجهها شاحب .. وعينيها مسكونتان بحزن مظلوم .. انها تبكي
تبكي يا يونس
صرخ يونس
"" فاتن ... فاتن ... فاتن """
أضيئت الأضواء وانتهى الفلم
خرج البعض من قاعة العرض يضحكون لسذاجة القصة وقدم الفلم وصغر سن الممثلين " المشهورين " حاليا, يتضاحكون ويتهامسون لبساطة يونس وشكل فاتن وفساتينها القديمة ونذالة زوجة العم .
وخرجت أنا أبحث عن " فاتن "
لم أستطع أن أنسى "فاتن "
التي ما كانت سوى تمثال عرض بأحد المحلات
لم أستطع أن أنسى كيف غيرت فاتن يونس
ولم أستطع أن أنسى أنني أيضا أحتاج الى " فاتن"
تعيد لي أملا بأن وراء كل جمود شيء جميل
لا يراه الا من حرم منه ..
كلنا نحتاج " فاتن"
تغيرنا ..
وتقتل ألم الوحشة ..
وتملأ ليالينا بالأنغام .. وقصص المعجزات ..
كلنا نحتاج "فاتن"
تغتال وحش الآخرون
وتحررنا من خرافتنا القديمة
وتحرق غترة بالية لبسناها سنينا
تحت اسم " الآخرون"
كلنا نحتاج " فاتن" !!
جارتي المميزه
تعجبني أحياناً خيالاتك الواسعه
وطريقة إستيعابك وفهمك لبعض الامور
بعكس ما توصل إليه الاخرون
قصة الفلم جميله جداً
والأجمل تلك الفكرة التي خرجت بها من الفلم ..
لا أنكر أننا احيانا نحتاج مساعدة الأخرين لنجد انفسنا وعندما يعجزون
تستنجد بما حولنا من دونهم
توم هانكس في قصة فلمه ( الناجي الوحيد ) إستنجد بكرة طائره يخاطبها طوال الفلم وأسماها ( والسون ) فقط لإحساسه بأن الاخرون تخلو عنه وتركوه وحيدا في الجزيره
اتمنى ان تجدي نفسك دوماً أمام الغير
باحسن حال دون الإحتياج لمثل
( فاتن , ووالسون )
تقبلي مروري ودمتي بخير